ابن تيمية

108

مجموعة الفتاوى

إلَى الْأَرْضِ لَمَّا خَلَقَهَا وَمِنْ نُزُولِهِ لِتَكْلِيمِ مُوسَى وَغَيْرِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ } وَقَوْلِهِ : { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } وَقَوْلِهِ : { هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } والْنُّفَاةِ الْمُعَطِّلَةُ يَنْفُونَ الْمَجِيءَ وَالْإِتْيَانَ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَقُولُونَ : مَا ثَمَّ إلَّا مَا يَحْدُثُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَالْحُلُولِيَّةُ يَقُولُونَ : إنَّهُ يَأْتِي وَيَجِيءُ بِحَيْثُ يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَيُشْغَلُ آخَرُ فَيَخْلُو مِنْهُ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَيَصِيرُ بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ فَوْقَهُ . فَإِذَا أَتَى وَجَاءَ لَمْ يَصِرْ عَلَى قَوْلِهِمْ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى وَلَا كَانَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ . لَا سِيَّمَا إذَا قَالُوا : إنَّهُ يَحْوِيهِ بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ فَتَكُونُ أَكْبَرَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ عُلُوّاً عَظِيماً . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } إنْ كَانَ قَدْ قَالَ أَحَدٌ : إنَّهُ فِي جَوْفِ السَّمَاءِ فَهُوَ شَرٌّ قَوْلاً مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَكِنَّ هَذَا مَا عَلِمْت بِهِ قَائِلاً مُعَيَّناً مَنْسُوباً إلَى عِلْمٍ حَتَّى أَحْكِيَهُ قَوْلاً . وَمَنْ قَالَ : " إنَّهُ فِي السَّمَاءِ " فَمُرَادُهُ أَنَّهُ فِي الْعُلُوِّ لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ فِي جَوْفِ الْأَفْلَاكِ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْجُهَّالِ يَتَوَهَّمُ ذَلِكَ . وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ .